22 يناير 2019
رواية النباتية، لـ "هان كانج" تروي قصة تحدٍ خطير

شخصية "يونج هاي" ذات حضورٍ ثانوي في حياة من حولها، حضورها ثانوي حتى في الرواية، إلى أن تتخذ قراراً يتحدى الجميع ويغير كل شيء.
رواية "النباتية" لـ "هان كانج" والتي نُشرت لأول مرة في كوريا الجنوبية في عام 2007 وترجمت إلى الإنجليزية في عام 2015، لا تزال تحاكي واقعنا إلى درجةٍ كبيرة على الرغم من مرور عشر سنوات على صدور طبعتها الأولى، هذا يدل على أهميتها الأدبية ويؤكد سبب تأثيرها الشديد، إذ أن مجتمعاتنا وقيمنا وتوقعاتنا تتغير بوتيرة شديدة البطء لدرجة أننا نحتاج إلى كتبٍ تنبهنا لذلك وترسم شكلاً لهذا التغيير وإن كان بطيئاً.
"يونج هاي" هي موضوع رواية "النباتية" ولكنها ليست بطلة الرواية أو الشخصية الرئيسية فيها، صوتها نادراً ما يُسمَع، وحديثها قلَّ ما يكون حاضراً لذا فإن أفضل وصفٍ لشخصيتها هو "موضوع الرواية" إلا أن أفعالها تتحدث بصوتٍ أعلى من الكلمات، فبعد حلمٍ مخيف احتوى مشاهد شديدة العنف، تصبح "يونج هاي" نباتية (أو بالأحرى "خضرية" كونها ترفض تناول أي منتجاتٍ حيوانية) مما يثير غضب زوجها السيد "تشيونج" الذي يروي القسم الأول من الرواية، إذ يعتقد أن تصرفات "يونج هاي" سخيفة وغريبة وليست صادرة عن دارية أو تصميم، فعندما يجد "تشيونج" زوجته وهي تفرغ ثلاجتهم من منتجات اللحوم الموجودة فيها، بما فيها المأكولات البحرية غالي الثمن يصاب بالحيرة، إذ كيف تحولت زوجته المطيعة الهادئة والمملة وأصبحت على هذه الصورة؟ يتخلل هذا القسم من الرواية مقاطع مكتوبة بالخط المائل تعطينا لمحاتٍ عن أحلام "يونج هاي" ويظهر من خلال هذه الأحلام أنه وعلى الرغم من أن تصرفات "يونج هاي" تعتبر جديدةً من نوعها إلا أن الأفكار الكامنة وراء هذه التصرفات ليست كذلك " نفور لا يحتمل، قمت بكبته لسنوات طويلة جداً، نفورٌ حاولت دوماً تغطيته بقناعٍ من العاطفة، ولكن القناع يسقط الآن".
هذا القناع هو إذعانها المستمر واعتيادها على التغير لإرضاء رغبات وتوقعات من حولها. بتحول "يونج هاي" إلى "خضرية" وخسارتها وزنها والدهون الضرورية للحفاظ على صحتها (كونها اتبعت نظاماً غذائياً غير صحي) فإنها تحّدت هذه التوقعات والرغبات، ورفضت أن تستمر في الحياة كزوجةٍ غايتها الوحيدة أن تطبخ لزوجها وترضي رغباته الجنسية. و آخر فعل تحدٍ لها لم يكن قيامها بتقطيع شرايينها عندما حاول والدها إجبارها على تناول اللحوم، بل عندما جلست أمام نافورة المستشفى كاشفةً نهديها للشمس ولجميع من حولها.
لا نعلم بالضبط إن كانت محاولة انتحار "يونج هاي"أو تعريها في مكانٍ عامالسبب في إيداعها مصحةً للأمراض العقلية، وبغض النظر عن السبب فإن زوج "يونج هاي" يقوم بتطلقيها بعد ذلك، ليركِّز القسم الثاني من الرواية على زوج شقيقتها "يونج هو" فنان التصوير الذي لكونه يشتهي"يونج هاي" يرسم جسدها وسط نباتاتٍ مزهرة ويصور هذا الرسم لمشروعٍ فني يقوم به. وهذه هي المرة الأولى التي نرى "يونج هاي"سعيدةً ومرحة ومرتاحةً ومتصالحةً مع ذاتها ومع جسدها، عندما لا يعود هذا الجسد جسدَها بل يتحول إلى شيءٍ آخر. يدرك زوج شقيقتها ذلك في لحظة تحولٍ خطيرة "كان جسد شابةٍ جميلة، يفترض أن يكون موضعاً للرغبة، لكنه خلا تماماً من كل الرغبات.. إن ما تخلت عنه كان الحياة ذاتها التي يمثلها هذا الجسد"
ولكن "يونج هاي" لا تقاوم رغباتها فقط ، بل تقاوم إنسانيتها. القسم الأخير من الرواية يركز على شقيقتها "إن هاي" وهي تقوم بالعناية بـ "يونج هاي" بعد تشخيصها بمرضي فقدان الشهية وانفصام الشخصية وانتقالها إلى مستشفى آخر للأمراض العقلية، وهنا نستطيع أن نرى مقاومة "يونج هاي" بصورةٍ مضاعفة . فمن ناحيةٍ تبدو وكأنها تريد ببساطة أن تموت، لتخرج من جسدها الفيزيائي، فالموت في النهاية ماهو إلا شكلٌ تاريخيٌ للمقاومة، كالإضراب عن الطعام، أو الشهادة لسبب دينيٍ أو سياسي أوالانتحار.
ومن ناحيةٍ أخرى لا تبدو "يونج هاي" راغبةً في الموت بقدر ما هي راغبةٌ في الحياة بطريقةٍ مختلفة. فكل المؤشرات تشير إلى رغبتها بالتحول إلى شيء لا يتغذى على العنف تجاه المخلوقات الأخرى. جلوسها قرب النافورة في الشمس وتجولها عاريةً كلما أتيح لها ذلك، شعورها بالفرح والإثارة عندما رُسمت محاطةً بالزهور، هروبها من المصحة العقلية، فقط لتقف بلا حراكٍ بين الأشجار كأنها تريد أن تكون واحدةً منهم . هي لا تريد أن تكون إنسانةً بعد الآن ، فالإنسانية مؤذية، مليئة بالغضب ومجرمة وعنيفة، جشعة وطماعة وغيورة، كل الأشياء التي لا تريد أن تكونها. وهي بالتالي تقاومنا نحن البشر ليس فقط بالتحول إلى النباتية، بل بمحاولة التحول إلى نبتة هي الأخرى. هي لا تريد التوقف عن الحياة بل تريد التوقف عن الحياة مثلنا.
المصدر:
https://www.theguardian.com/books/booksblog/2016/dec/23/the-vegetarian-by-han-kang-tells-a-dangerously-defiant-story